السيد الطباطبائي

246

الإنسان والعقيدة

فيستحيل دخوله في الذهن ؛ لاستلزام ذلك مهيّة خالية في نفسها عن الوجودين ، موجودة تارة بوجود خارجي ، وأخرى بوجود ذهني ، وهي مفقودة هاهنا . فكلّ ما وضعه الذهن وتصوّره واجبا ، وحكم عليه بمحمولاته من الأسماء والصفات ، فهو غيره سبحانه البتّة . وإلى ذلك يشير ما في توحيد الصدوق : مسندا عن عبد الأعلى ، عن الصادق عليه السّلام - في حديث - : « ومن زعم انّه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك ؛ لأنّ الحجاب والمثال والصورة غيره ، وإنّما هو واحد موحّد ، فكيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره ؟ إنّما عرف اللّه من عرفه باللّه ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنّما يعرف غيره ، واللّه خالق الأشياء لا من شيء يسمّى بأسمائه ، فهو غير أسمائه ، والأسماء غيره ، والموصوف غير الواصف ، فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف ، فهو ضالّ عن المعرفة لا يدرك مخلوق شيئا إلّا باللّه ، . . . واللّه خلوّ من خلقه ، وخلقه خلوّ منه » « 1 » - الحديث . قوله عليه السّلام : « وإنّما هو واحد موحّد » ، أي : واحد محض لا كثرة فيه ، ففيه إشارة إلى « برهان امتناع أن يكون معرفة الغير مستلزمة لمعرفته سبحانه » بأن يقال : إنّ العلم عين المعلوم بالذات ، كما برهن عليه في محلّه ، فيمتنع أن يكون العلم بالشيء علما بشيء آخر مباين له ، وإلّا كان المتباينان واحدا ، هذا خلف . فاستلزام العلم بشيء علما بشيء آخر ، موجب لوجود اتّحاد ما بين الشيئين ، وحيث فرضا شيئين ففيهما جهة اتّحاد وجهة اختلاف ، فكلّ منهما مركّب من جهتين ، والحقّ سبحانه واحد بسيط الذات ، لا تركّب فيه بوجه ، فيمتنع أن يعرف بغيره ، وإليه يشير عليه السّلام بقوله : « ليس بين الخالق والمخلوق شيء . . . » ، وقوله عليه السّلام :

--> ( 1 ) التوحيد : 138 ، باب صفات الذات وصفات الأفعال ، الحديث 7 ، و : 187 ، باب أسماء اللّه تعالى والفرق بين معانيها ، الحديث 6 ، باختلاف يسير .